هو رجل متوسط القامة ؛ ليس بالطويل وليس بالقصير؛ ذو عينين وكأنهما ماستين تتلألآن في وضح النهار؛ وشفتين حمراوين يعلوهما أنف صغير وأنيق ؛ يحويان في داخلهما أسنانا نظيفة مصطفة وبديعة ؛ وشعره أسود مسترسل زانته بعض خطوط الشيب البيضاء ؛ ولحيته مقومة لطالما أثارت حسد الرجال وأيقضت حفائظهم مما لا يجمل بكرامتهم ؛ وهو الذي عرف في المدينة بإفراطه في السكر…قائم القد ؛ ومن أحسن الناس وجها وأبهاهم منظرا ؛ يرتدي بزات ايطالية كان لها نعم الجسد وكأنها على مقاسه فصلت ؛ وملامحه توحي دائما بالطمأنينة ؛ ومشيته كان يستقي منها الوقار مثاله ؛..لايمر على جمع أو فرد دون أن يقرأ سلام المسلمين؛ حتى الدواب كان لها دائما نصيب من التحايا وبعض الكلام …كان عطوفا صافي السريرة ؛ رحيما وافر الفضيلة ؛ لا يكاد يراه الرائي حتى يطمئن ويسكن إليه ؛ ..وكان فيما حدثني به مرة أن قال والإبتسامة لا تفارق محياه صامتا أو متكلما..اني أعشق السير في الظلمة خارج المدينة ؛ فسألته لما فأجاب ووجهه يعانق السماء..لأكون وحدي وجها لوجه مع ربي؛ وأردف في رباطة جأش يعلوها بعض الإنكسار..إن ربي يملأ علي دنياي ولا أحد سواه..لا أحد ؛ ورقرقت عيناه ثم قبل جملة أصابعه ورمى بها إلى السماء ؛ فشعرت حينها وكأني أقف أمام رجل ما هو من الأرض بل من السماء ؛ ثم رمقني بنظرة باسمة هادئة وغادر يتبعه كلبه في صمت ووقار؛ وحدث مرة أن اقترب كلبه من أحد المارة فنهره هذا الأخير قائلا - أخرج - فأجابه صديقنا في استغراب - الى أين يخرج إنه في الخارج - …يعيش وحيدا منفردا في منزل اتخذ من غرفة فيه كل منزله ؛ دون غاز أوكهرباء..قيل أن له أخت يزورها فقط يوم العيد ؛ يعيش على ضوء الشموع وحفرة في بلاط الغرفة جعل منها موقدا ولتهبه بعض الدفء في ليالي الشتاء القاسية ؛ وكتبا عربية واسبانية وايطالية يقرأها وكثيرا ما سمعناه يتحدث بهاتين الأخيرتين وقال بعض العارفين أنه ينطقها بشكل سليم وصحيح ؛ وثلاثة كلاب تنام معه في غرفته وتطيعه كأنها تعبده ؛ وله قلب رقيق قلما شهدت البشرية قلبا مثله…كل هذا لا يهمهم مادام سكيرا ؛ وخيل لهم أنهم بإجماعهم على تكفيره قد رفعوا عنه يد الله التي تحرسه وحولوا عنه عين الله التي ترقبه وترحمه ؛ وسول لهم شططهم أن الله قد غضب عليه لغضبهم وسخط عليه برا بسخطهم ؛ إنهم واهمون..ان الله لا ينظر الى وجوهكم إنما ينظر الى قلوبكم التي في صدوركم ؛ وقد كتب أحدهم فيما كتب..- ان بعض الناس يحتقرون المذنب ويزدرونه لا لأنهم أطهار أبرياء كما يزعمون ؛ بل ليوهموا الناس انهم غير مذنبين ؛ ولو أنهم تكاشفوا وتصارحوا وصدق كل منهم صاحبه الحديث عن نفسه لتتاركوا وتهاد






















